ابن كثير
58
البداية والنهاية
الله ورسول " . قال : جبل جبلت [ عليه ] أن تخلقا مني ؟ قال : بل جبل فقال : الحمد الله الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله ( 1 ) . وقال ابن إسحاق : وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارود بن عمرو بن حنش ، أخو عبد القيس . قال ابن هشام : وهو الجارود بن بشر بن المعلى في وفد عبد القيس وكان نصرانيا ، قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن الحسن قال : لما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه ، فعرض عليه الاسلام ، ودعاه إليه ، ورغبه فيه ، فقال : يا محمد إني كنت على دين وإني تارك ديني لدينك أفتضمن لي ديني ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعم ، أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه " قال : فأسلم وأسلم أصحابه ، ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحملان فقال : " والله ما عندي ما أحملكم عليه " . قال : يا رسول الله إن بيننا وبين بلادنا ضوالا من ضوال الناس : أفنتبلغ عليها إلى بلادنا ، قال : لا إياك وإياها ، فإنما تملك حرق النار . قال فخرج الجارود راجعا إلى قومه ، وكان حسن الاسلام صلبا على دينه حتى هلك ، وقد أدرك الردة ، فلما رجع من قومه من كان أسلم منهم إلى دينهم الأول مع الغرور ( 2 ) بن المنذر بن النعمان بن المنذر ، قام الجارود فتشهد شهادة الحق ودعا إلى الاسلام فقال : أيها الناس إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، وأكفر من لم يشهد . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكة إلى المنذر بن ساوى العبدي ، فأسلم فحسن إسلامه ، ثم هلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ردة أهل البحرين ، والعلاء عنده أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين ( 3 ) . ولهذا روى البخاري : من حديث إبراهيم بن طهمان ، عن أبي جمرة ( 4 ) عن ابن عباس . قال : أول جمعة جمعت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجوانا ( 5 ) من البحرين ، وروى البخاري عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر الركعتين بعد الظهر بسبب وفد عبد القيس حتى صلاهما بعد العصر في بيتها ( 6 ) .
--> ( 1 ) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 327 ، ورواه أبو يعلى والطبراني بسند جيد . ( 2 ) الغرور : واسمه المنذر ، قال السهيلي : سمي الغرور لأنه غر قومه يوم حرب الردة . ( 3 ) الخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 221 - 222 . ( 4 ) في نسخ البداية المطبوعة : أبي حمزة تحريف . ( 5 ) من البخاري ، وفي الأصل حواثي بالجاء ، تحريف . انظر الخبر في المغازي الحديث ( 4371 ) . ( 6 ) أخرجه البخاري في المغازي ( 69 ) باب الحديث ( 4370 ) . قال الحافظ ابن حجر : والذي يتبين لنا انه كان لعبد القيس وفادتان : إحداهما قبل الفتح ، ولهذا قالوا للنبي صلى الله عليه وآله : " بينا وبينك كفار مضر " وكان ذلك قديما إما في سنة خمس أو قبلها . وكان عدد الوفد الأول ثلاثة عشر رجلا ، وفيها سألوا عن الايمان وعن الأشربة ، وكان فيهم الأشج ، ثانيتهما كانت في سنة الوفود - سنة تسع - وكان عددهم حينئذ أربعين رجلا ، وكان فيهم الجارود العبدي . قال : ويؤيد التعدد ما أخرجه ابن حبان . . . أن النبي صلى الله عليه وآله قال لهم : ما لي أرى ألوانكم قد تغيرت .